رحمة الرسول بالبشر

احصائياتى
الردود
0
المشاهدات
76

سمير عبد الرحمن

مشرف القسم الإسلامي
مشرف قسم
معلومات سمير عبد الرحمن
إنضم
27 مايو 2018
المشاركات
1,097
مستوى التفاعل
27
النقاط
380
العمر
48
الإقامة
مصر
رحمة الرسول بالبشر
بسم الله الرحمن الرحيم
رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالبشر



يتعمق مفهوم الرحمة في سنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيتخذ أبعادًا كثيرة، تتصل بتعميق مفهوم الرحمة ذاته الذي هو من نعم الرحمن وصفاته، ويتعداها إلى الإرشاد إلى مواقف الحياة المعاشة، في القول والسلوك. ونستطيع أن نحدد هذه الأبعاد في المحاور الآتية:
• رحمة المصطفى بالبشر عطاء من الرحمن جلَّ وعلا:
فصفة الرحمة علامة بارزة في أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد بانت في أكمل صورها في سلوكياته مع الناس: مسلمين وغير مسلمين، وهي سمة لا تنصرف إلى ممارسة فردية ميزت النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي عطاء من الله إلى نبيه العظيم، كي يكون رحمة للعالمين، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أدّبني ربي فأحسن تأديبي "، فعندما نتكلم عن سمة خلقية، فإنما نتكلم عن خلق رباني وقرآني، جسّده الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما نعتته السيدة عائشة وصحابته عليهم الرضوان أنه كان قرآنا يمشي على الأرض.

يروي أبو هريرة - رضي الله عنه -: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه " [1].
يربط المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الرحمة الصادرة من البشر، وبين الرحمة الربانية، وهذا منسجم مع اختصاص الله تعالى بصفة "الرحمن الرحيم"، أي الرحمة المطلقة التي لا حدود لها وفق المشيئة الربانية. وبالتالي يترسخ في وجدان المسلم أن قيمة الرحمة مشتقة من الرحمن، وقد جمع الرسول في حديثه البعد العددي الذي لا نملك إلا أن نصدقه على الحقيقة وليس على المجاز، وهو يعبر عن عظم الرحمة الربانية وهوان الرحمة البشرية مهما اتسعت، إنها نسبة 1/ 100.
وفي رؤية أخرى: أن " مائة جزء " عدد خاص يماثل عدد درجات الجنة، والجنة هي محل الرحمة، فكأن كل درجة توازيها رحمة، ومن نالته رحمة واحدة، كان أدنى أهل الجنة منزلة...، وتكون رحمة الدنيا في الالتزام بالقرآن والصلاة وطيب الخلق وغير ذلك مما أنعم الله به، فكيف بظنك بمئة رحمة في الدار الآخرة؟[2]
وقد خصّ - الرسول صلى الله عليه وسلم الفرَس بالذكر لأنها أشد حذرًا من أن يصيب ولدها الضرر من وقع حافرها عليه في الحيوانات المألوفة، التي يرى المخاطَبون - من العرب - حركاتها مع أولادها، مع خفته وسرعته في التنقل[3].

• هداية البشرية للإسلام ذروة الرحمة بالبشر:
لا مجال للحديث عن الرحمة بالبشر، دون الوقوف عند الغاية العليا من نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فغايته هداية الناس، من الضلال إلى الهدى، وإنجائهم من النار إلى الجنة، تلك الرحمة في صورتها الكبرى؛ إعتاق الرقاب من النار، وأن تتلذذ القلوب بحلاوة الإيمان، وتؤمن بوحدانية الله سبحانه وتعالى، ومن ثم تلتزم وتطبق تعاليم الإسلام، التي هي مفتاح سعادة الدارين: الدنيا والآخرة، فلا حديث عن إشاعة التراحم بين الناس - من المنظور الإسلامي -، والبشر لا يزالون في همجية الجاهلية، وعنفوان الشهوة والتسلط الفردي والقبلي، ولا حديث عن الرقي الأخلاقي، والقلوب مغلقة، والعقول مصمتة.

وفي هذا السبيل، كان الرسول صلى الله عليه وسلم ساعيًا إلى هداية الناس، متحملاً العذاب والتضييق والنفي في سبيل دعوته، يعرّض نفسه وأتباعه إلى القسوة البشرية على أيدي كفار مكة في سبيل نشر رسالة الله العظمى، فإذا هلكت العصبة المؤمنة المتمسكة بدين الإسلام، فإن وجود الإسلام نفسه في خطر. وهذا ما جعل الرسول يجاهد مع أصحابه في مكة المكرمة ثم في المدينة المنورة من أجل تدعيم وتثبيت الإسلام في القلوب، فإذا ثبتت العقيدة، ثبتت الأخلاق القويمة.
إن الفطرة الرحيمة هي التي حملت الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يكافح طيلة حياته، دون فتور أو تراخ أملا في هداية الإنسانية، وإسعادها، وكان يشق على نفسه في سبيل ذلك، ويحملها ما لا تطيق [4]، وقد قال المولى تعالى مخاطبًا إياه: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 8][5] أي لا يتمزق فؤادك حسرة من أجل الكفار والمشركين، تطمع في هدايتهم، وهم عنك منصرفون، وفي عداوتك مجتمعون.

لقد كان المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم حريصًا على اكتساب القلوب، وتأليفها، لا ينظر إلى المطامع والمكاسب السياسية، بل عينه على الأفئدة؛ ومدى إيمانها، حالمًا بنجاتها من هوة النار، بل يخشى أن تحترق الأنامل بألسنة جهنم.
ومن أجل هذا الهدف، أراد صلى الله عليه وسلم أن يشعر المسلمون بالتعاطف والتراحم والتواد منه أولا ومن الصحابة والمسلمين ثانيًا [6]. ذلك لأن الرحمة بالناس هي أول ما ترصده الأعين في تعاملات الرسول والصحابة مع الكفار وحديثي العهد بالإسلام.

ولننظر إلى لفظة " الصحابة " التي اتصف بها كل من شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد وصل تعدادهم بالآلاف، صحيح أنهم متفاوتون في الإيمان والسبق والجهاد والدعوة والذكاء والبأس، ومقدار القرب من الرسول، ولكنهم حرصوا كل الحرص على نيل شرف الصحبة الكريمة بالرسول صلى الله عليه وسلم .
إن هذا المعيار الذي ربط الرسول بمن حوله من البشر، معيار غاية في السمو الأخلاقي، يحقق المفهوم الحقيقي للرحمة بالبشر، فهم أصحابه، ومن قبل إخوانه في العقيدة والدين، فأسقط الرسول صلى الله عليه وسلم حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا كان قائمًا في بيئة جاهلية ترفع النسب القبلي لمكانة سامية، وتعتد بذوي المكانة والرياسة، والرسول وهو من هو في النسب الشريف الذي يعود إلى إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - وإلى أفضل بطون قريش، وأصبح في المدينة زعيمًا وقائدًا للدولة المسلمة، ومن قبل نبيًا وهاديًا، ولكنه مع أصحابه يقول لهم: " تآخوا في الله أخوين أخوين " بعد هجرته للمدينة المنورة، ثم يجعل علاقته مع جميع الناس علاقة صداقة حقيقية. يقول عباس العقاد إن محمدًا صلى الله عليه وسلم عطوف ودود مع أصحابه، وإنما " تتم له أداة الصداقة بمقدار ما رُزِقَ من سعة العاطفة الإنسانية ومن سلامة الذوق ومتانة الخلق وطبيعة الوفاء "[7]. لننظر إلى هذه الصفات: إنها صفات الصداقة الحقيقية التي يندر وجودها كاملة بين الناس.

وتتم الصداقة بالعاطفة الحية والذوق السليم، والخلق المتين وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الخصال جميعها مثلاً عاليًا بين صفوة خلق الله. فقد كان عطوفًا يرأف من حوله، ويودهم ويدوم لهم على المودة طيلة حياته، وإن تفاوت ما بينه وبينهم من سن وعرق ومقام [8]. و" هذه العاطفة الإنسانية التي اتسعت حتى شملت كل ما أحاطت به وأحاط بها، لم تكن هي كل أداة الصداقة في تلك النفس العلوية، بل كان معها ذوق سليم يضارعها رفعة ونبلاً، ويتمثل فيما يرجع إلى علاقات النبي بالناس، في رعاية شعورهم أتم رعاية، وأدلها على الكرم والجود " [9].
هذا هو محمد الرحمة المهداة الذي دلّ تاريخه كله على أنه " كان أوسع الناس صدرًا، وأرحبهم نفسًا، وأعفهم لسانًا، وأرعاهم للصحبة...، أما جوده وشجاعته وحياؤه وحسن معاشرته وقوة احتماله وشفقته ورحمته وتواضعه وعدله ووقاره وزهده وتقواه، فقد كان من كل ذلك مضرب الأمثال، وهذا كله من أخص مميزات النبوة في رأينا؛ فإن الناس العاديين قلَّ من يبلغ المثل الأعلى في خصلتين أو ثلاث من هذه الخصال، فبلوغ هذه الدرجة السامية في جميعها، مما لم يشاهد في واحد من جميع أفراد النوع البشري في جميع أدوار التاريخ، وتوافرها في محمد قد دل عليه التواتر فلا يمكن التشكيك فيه " [10].

فعند المقارنة بين شخصية محمد وأي عظيم من البشر، على مستوى الخلق والثبات والعطاء والأثر التاريخي، تميل الكفة دون نقاش لصالح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت نفسيًا أن تكامل النفوس لا يوجد على المستوى العملي في الناس، ولكن هناك أشخاص ذوو أخلاق عالية وآخرون دون الأخلاق، ولكن من هو ذوو الخلق العالي يعتريهم النقص في خلق أو أكثر، أي لا يوجد تكاملية بنسبة مئة في المئة لكل الأخلاق لديهم، ولكن قد يتميزون في خلق، ويقلون في خلق آخر. إلا النبي محمد الذي حاز النسبة الكاملة في التقدير البشري للأخلاق، ومنها بالطبع خلق الرحمة بالبشر، الذي هو أحد أخلاق الكمال.

وفي شهادة لأحد المستشرقين يقول: " كلما فكّرنا في تاريخ محمد وتاريخ أوائل الإسلام، كلما تملكنا الذهول أمام عظمة مثل هذا العمل، ولاشك أن الظروف كانت مواتية لمحمد، فأتاحت له فرصًا للنجاح...، فلو لم يكن نبيًا ورجل دولة وإدارة، ولو لم يضع ثقته بالله، ويقتنع بشكل ثابت أن الله أرسله؛ لما كتب فصلاً مهمًا في تاريخ الإنسانية، رجل هو من أعظم رجال أبناء آدم"[11]. كما أن عظمة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت من كونه أوتي - أولاً- موهبة خاصة على رؤية المستقبل، فكان للعالم العربي بفضله، وبفضل الوحي الذي يُنزَّل عليه حسب رأي المسلمين أساس فكري، حُلَّت به الصعوبات الاجتماعية والسياسية المختلفة، وثانيًا: إنه رجل دولة حكيم، وثالثًا: رجل إدارة بارع [12].

ويبرهن " وات " على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في أن شخصية محمد لم تنحط بعد الهجرة، فقد قيل كثيرًا إن السلطة تفسد، وأن السلطة المطلقة تفسد أخلاقًا عظيمة، ولكن - سيد المدينة - كان رجل عصره، كما كان كذلك شأن الداعي المضطهد في مكة، واتفق معاصروه على أنه كان رجلاً فاضلاً مستقيمًا، مصلحا اجتماعيًا وناشرًا القيم الأخلاقية [13].

إن الشهادة السابقة تحلل شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ويبرهن " وات " من منظور عقلاني، لا يستبعد العامل الإلهي المؤيد للنبي، بقدر ما ينظر بمعايير المؤرخين التي تقيّم الأشخاص حسب عطائهم، وتأثيرهم السياسي في مجتمعاتهم وفي المجتمعات التي حولهم. وقد ذهل " وات " من أمرين: شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، وشخصية من حوله من أصحابه، وقد استطاعوا تغيير مجرى الأمور ليس في الجزيرة العربية فحسب، بل في العالم كله حتى وقتنا الحاضر، ويكفي أن محمدًا أقام دولة راسخة المعالم واضحة الكيان في أقل من ثلاث وعشرين سنة، منذ بدء دعوته، شملت الجزيرة العربية كلها ثم واصل أصحابه من بعده المسيرة ليسقطوا حضارة ودولة عظيمة الشأن؛ فمزقوا مُلْكَ كسرى في فارس (إيران والعراق)، وقلّصوا حدود امبراطورية الروم في المشرق العربي إلى ما دون حدودها في أوروبا. ووفقًا للمنظور العقلاني التاريخي، فإنه لا توجد أمة تمددت واكتسبت هذه الرقعة الجغرافية الضخمة، وأقامت حكمًا على قاعدة دينية وشرعية عظيمة في أقل من مئة سنة (خلال القرن الأول الهجري )، إلا الإسكندر الأكبر، وقد تفككت امبراطوريته بعد وفاته بين قادته.

ويتملكنا العجب من ذكر " وات " إعجابه بمن حول محمد صلى الله عليه وسلم من صحابته، فهؤلاء حملوا أخلاق الرسول وتخلقوا بها، فكان نعم الخلف لخير سلف، وهؤلاء نشروا الإسلام وأعلوا رايته العقدية والخلقية بفضل تربيهم في مدرسة الرسول، ثم أعدّوا أجيالاً من التابعين وتابعي التابعين، كانوا سائرين على النهج الإسلامي حتى أتت الدعوة ثمارها بملايين الأفئدة التي أحبّت الإسلام هداية وخلقًا، فدخلت مؤمنة دين التوحيد، أو ظلت على عقائدها السابقة وسعدت وهي تعيش في حمى الإسلام وعزه.

 

من نحن ؟؟

منتديات 14SAT : معهد14SAT يهتم بتقديم كل جديد في عالم الفاضائيات واحتياجاتها IPTV CCCAM. ..

أعلى