التوحيد في سورة الأنفال

احصائياتى
الردود
0
المشاهدات
79

سمير عبد الرحمن

مشرف القسم الإسلامي
مشرف قسم
معلومات سمير عبد الرحمن
إنضم
27 مايو 2018
المشاركات
1,097
مستوى التفاعل
27
النقاط
380
العمر
48
الإقامة
مصر
التوحيد في سورة الأنفال
بسم الله الرحمن الرحيم
التوحيد في سورة الأنفال

تصف السورة الكريمة أول لقاء بين القوى المعادية للألوهية ممثلةً في الملأ (من قريش)، والشيطان الذي زيَّن لهم أعمالهم وأنه ناصرهم، وبين المؤمنين بالإله الواحد الحق الذي لا شريك له، وذلك يوم بدر ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ [الأنفال: 41]؛ معسكر الكفر ومعسكر الإيمان، وقد كانت الغلبة لمعسكر التوحيد، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: الملأ هم سادات قريش، وعلى رأسهم أبو جهل الذي أصر على تعقُّب المسلمين بعد تركهم مكة، فقد صرَّح بعد إفلات عير أبي سفيان بأنه (لن يرجع حتى يرِد بدرًا، فيقيم فيها ثلاثًا، وينحر الجزر، ويشرب الخمر، وتغني له القينات، ويقتل محمدًا وأصحابه، حتى تسمع به العرب، فلا يزالون يهابونه كما جاء في السيرة وغيرها)، وقد سبق بيان أن الملأ من موانع الهدى، ودائمًا هم أعداء الألوهية والمؤمنين بها، غير أن هؤلاء الملأ وهم حلفاء الشيطان وأولياء الأصنام، لم يفهموا الرسائل التي وُجِّهت إليهم، ومنها تلك الرسالة التي جاءت في السورة السابقة، وهي سورة الأعراف (ليعلم التناسب)[1]، وذلك في قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185]، وقد جاءهم أجلُهم يوم بدر، ساعة أن خرجوا بطرًا ورئاءَ الناس؛ ليصدوا عن سبيل الله، وأهلك الله كبيرهم أبا جهل وصناديد قريش، وألقيت أجسادهم جيفًا نتنة في القليب، وقد خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا)؛ كما جاء في السيرة وغيرها.

إن على المسلمين أن يعملوا بمقتضيات الألوهية، وعليهم أن يقيموا الدين بأركانه وأحكامه، وعليهم بعد ذلك أن يوضحوا للناس ويرشدوهم إلى طريق العبودية لله، فإن وقف في طريقهم معاندٌ، وصد عن سبيلهم صادٌّ، أزاحوه وأبعدوه ومنعوه من ذلك...

ثانيًا: الشيطان، ومعركته ضد الألوهية قديمة ساعة أن رفض أن يذعن لأمر الله بالسجود لآدم، وقد كان أمر السجود تعظيمًا للإله الحق المعبود، لا تعظيمًا لآدم في ذاته، فآدم مخلوق لله، لكنه الاختبار! اختبار الإذعان لأمر الله؛ أي: لألوهيته!

♦ كان للشيطان دورٌ في بدر، وهو الدور الذي يقوم به دائمًا، تحريض أتباعه على المعصية، وتزيين طريق غير الطريق المستقيم، ثم بعد أن يقع في الغواية، يتخلى عنه الشيطان ويتبرأ منه: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 48]، فقد حرَّضهم وزيَّن لهم الخروج لقتال المسلمين، ووعدهم بالمساندة والنصرة، لكنه ذاب خوفًا لما رأى الملائكة نزلتْ للقتال مع المؤمنين، ففرَّ هاربًا..!

ثالثًا: المؤمنون: استُهِلَّت السورة الكريمة ببيان شروط الإيمان وأوصاف المؤمنين، وختمت ببيان أصناف المؤمنين، وتخلَّلت السورة نداءات ستة للمؤمنين؛ وبيان ذلك فيما يلي:
1- شروط الإيمان في قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 1].

2- أوصاف المؤمنين (حقًّا) في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ [الأنفال: 2 - 4].

3- أصناف المؤمنين، وهم حسب ما جاء في السورة الكريمة كما يلي:
أ‌- المهاجرون: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ﴾ [الأنفال: 72].
ب‌- الأنصار: ﴿ الَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ﴾ [الأنفال: 72].
ج‌- المؤمنون غير المهاجرين من مكة إلى المدينة: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾ [الأنفال: 72].
د‌- المؤمنون غير السابقين الذين جاؤوا من بعدهم - أي ممن سيؤمنون بعد ذلك ويجاهدون: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ﴾ [الأنفال: 75].

4- تجلَّت التربية الإيمانية العملية في هذه النداءات الستة:
النداء الأول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ [الأنفال: 15].
النداء الثاني: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 20].
النداء الثالث: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24].
النداء الرابع: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ﴾ [الأنفال: 27].
النداء الخامس: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29].
النداء السادس: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأنفال: 45].

وليست هذه الأوامر المذكورة في السورة فقط، لكن هناك أوامرُ أخرى لكنها ليستْ بصيغة النداء، ومنها ما يلي:
♦ ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ [الأنفال: 1].
♦ ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 21].
♦ ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25].
♦ ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [الأنفال: 28].
♦ ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39].

غير أنني أقف عند الأمر الأخير؛ حيث سبق هذا الأمر (قبيل بدر)، أمر نزل في سورة البقرة وهو قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 193]، وهو الأمر الذي جادل البعض فيه بين قابل وكاره ومتردِّد، وبعد استشارة النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة - كما جاء في السيرة - وشرح الله صدور الجميع، واجتمعت كلمتهم.. ونصرهم الله عز وجل، وغنموا ما غنموا من الأنفال، وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت السورة، وفيها هذا الأمر: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾، وفي الآية زيادة (كله)؛ أي: إن الأولى التي في سورة البقرة كانت خاصة بقتال قريش، وأما الثانية التي في الأنفال فتشمل المشركين عامة في الجزيرة وخارجها...

بيَّنت السورة كذلك أن الله تعالى لا ينصُر إلا من توافرت فيهم شروطُ الإيمان، وتحقَّقت فيهم صفات المؤمنين حقًّا، واستجابوا استجابةً قوية وفورية لنداء الله تعالى وأوامره، وهو ما تحقَّق في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، والقانون عام لكلِّ مَن توافرت فيهم الشروط والصفات، فإن الله تعالى ناصرهم ومؤيِّدهم ولن يتخلى عنهم، (وأحيل القارئ إلى رسالة الدكتوراه (العالمية)، وهي بعنوان: "منهج الدعوة الإسلامية من خلال سورة الأنفال"، كلية أصول الدين جامعة الأزهر، وقد قمت بطبعها ونشرها في سلسلة من ثلاثة كتب: مرحلة الدفاع عن الدعوة، والتربية الإيمانية، ووصايا الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم،



 

من نحن ؟؟

منتديات 14SAT : معهد14SAT يهتم بتقديم كل جديد في عالم الفاضائيات واحتياجاتها IPTV CCCAM. ..

أعلى